وهنا ينبغي علينا أن نختم ونكمل هذا ببيان قضية الملكين هاروت وماروت لعلاقتها بهذا الأمر؛ لأن النظرة الكتابية لا تدرك الحقيقة في هذا الموضوع -ومع الأسف حتى ما ورثه المسلمون من علماء الكتاب- الأحاديث جاءت في هذا الموضوع بعضها ثابت وأصلها في القرآن واضح أو موافق لما في القرآن، والبعض الآخر كان زيادات عليها نردها جميعاً. لب الموضوع وجوهر القضية: أن الملائكة الكرام لما رأت خطايا بني آدم وذنوبهم في الأرض, وماذا يفعلون -طبعاً ليس الجميع بل البعض- تعجبت من ذلك! وكأنها تتذكر ماضيها القديم وما كانت تتوقع وتقول؛ لكن لا تعترض على حكمة الله تبارك وتعالى؛ لكن بالفعل يا إخواني! والله عجيب أن نعصي الله سبحانه وتعالى! كيف نعصي الله عز وجل!
هو الذي أعطانا العين والسمع, أعطانا الطعام، أعطانا الأرض, أعطانا كل شيء منه سبحانه وتعالى, وبين لنا الجنة والنار.. كيف نعصيه؟! فكلما ازددت معرفة لله تعجبت أكثر أن يعصى الله سبحانه وتعالى!
لكن في جانب آخر المشكلة أنه مركب فينا قابلية المعصية وقابلية الخطيئة، والحمد لله معها أيضاً قابلية التوبة والرجوع. وهذا الذي لم يفقهه بولس ولا المترانيون ولا غيرهم من الديانات المحرفة؛ فإذاً القابلية هنا وهنا موجودة.
الملائكة لما انصب الاعتراض أو توجه أنه كيف ذلك! الله سبحانه وتعالى قال: اختارا ملكين منكم, وأركب فيهما ما ركبت في بني آدم من الشهوات، فاختاروا ملكين: هاروت وماروت -بنص القرآن ملكين- فركّب فيهما ما ركب في وفيك وفي الإخوة والأخوات في بني آدم جميعاً من الطباع؛ في حب الدنيا.. في حب الشهوة.. في الميل إلى ذلك، فحصل الابتلاء.
صورة الابتلاء -بعيداً عما يضاف إلى ذلك- بالفعل عندما يعرض القتل، يعرض الزنا، يعرض شرب الخمر, ثلاثة موبقات تعرض! لها شهوة, والإنسان -وهذه حكمة عظيمة- عادة يظن أنه اختار الأخف، وهو ربما وقع في الأشق والأشد؛ ففضلا أن يشربا الخمر، فلما شرباها قتلا وزنيا! فبذلك أحبطت القضية, وثبت فعلاً أنه لا حرج ولا لوم ولا تعنيف على من كانت مركبة في نفسه هذه الشهوات كلها، إلا إذا أعرض أو أصر؛ لكن أن يقع لا غرابة! الشاهد أنه لا غرابة أن يقع من رُكّبت فيه هذه الشهوات في المخالفة، وأن يتجنب الطريق القويم ويقع في المهلكة وفي الموبقة.
ولذلك يقول العلماء الأجلاء المفسرون وغيرهم: إن الله سبحانه وتعالى كانت ملائكته الكرام، -وهم أفضل أنواع الملائكة- الذين يسبحون بحمد ربهم, ودائماً يطوفون حول عرش الله سبحانه وتعالى، والذين هم أقرب الناس إلى جلال وجهه الكريم عز وجل، كانوا يسبحون (( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ))[غافر:7], كانوا يستغفرون للمؤمنين فقط! ويدعون الله تبارك تعالى أن يغفر لهم، لمن تاب واستقام واتبع سبيله.
يقول العلماء: -هذه الآية طبعاً في أول سورة غافر- فعندما نزل الملكان ووقعا فيما وقعا فيه أصبحت الملائكة تفعل نفس التسبيح والدعاء ولكن (( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ))[الشورى:5], لاحظ فرق بين (يستغفرون للذين آمنوا) فقط وبين (يستغفرون لمن في الأرض)؛ لأنهم يريدون أن تكون الرحمة عامة، وحقاً إن رحمة الله تبارك وتعالى عامة، فهي عامة للبشرية جميعاً, ومن عموم هذه الرحمة ألا يعاجلهم بالعقوبة، ومن عموم رحمته عز وجل أن يرسل إليهم الرسل ليقيم عليهم الحجة، ومن عموم رحمته تبارك وتعالى أن يطعمهم ويسقيهم ما داموا أحياء في هذه الدنيا, ويعطيهم ويمتعهم فيها متاعاً قليلاً وإن كفروا وجحدوا، ومن عموم رحمته تبارك تعالى أنه لا يحرم من عمل الخير حتى ولو كان كافراً به ولا يؤمن بالآخرة ولا يرجو ما عند الله، فإنه يعطيه في الدنيا ويجازيه ما دام سعى في الحياة الدنيا سعيها؛ إن أراد الثناء أعطي الثناء, وإن أراد مالاً أعطي مالاً، بمعنى أنه أقام الحياة الدنيا على العدل وعلى الرحمة، أما في الآخرة فهناك الدرجات تختلف، وهناك الأمر يختلف, وهناك الموضوع تماماً مباين بأنه لا ينفع إلا العمل الخالص لوجه الله سبحانه وتعالى, والصواب الموافق لشرع الله تبارك وتعالى.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع