المنهج القرآني في هذا واضح جداً منذ أن بين الله تبارك وتعالى ذلك منذ الهجرة عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث الاحتكاك المباشر بنيه وبين اليهود في المدينة، فتأتي السور القرآنية ومنها سورة البقرة وآل عمران وغيرها؛ لتبين حقائق عظيمة وجلية، لا ينبغي لأي كاتب مسلم وعربي أن يتغافل عنها؛ بل اللوم على العرب أكثر؛ لأن القرآن بين أيديهم ويقرءونه!
نجد حقائق واضحة, كل الأنبياء هم على الإسلام, وكلهم دعوا إلى الإسلام والإيمان بالله تبارك وتعالى، ولا سيما موضع الخلاف وهو من إبراهيم عليه السلام فصاعداً.
إبراهيم عليه السلام (( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ))[البقرة:131], هذه حقيقة مقررة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم, وبينها في الآية مائة وواحد وثلاثين من سورة البقرة، ثم يقول: (( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[البقرة:132], وقبلها يقول: (( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ))[البقرة:128], يعني: دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان الكعبة.
وهناك يأتي السياق القرآني، فبعد أن يؤكد حقيقة أن يعقوب مسلم -لأن الإشكال حدث في ذرية يعقوب عليه السلام والقول بأنهم كانوا يهوداً أو نصارى - (( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ))[البقرة:133], هذه عقيدة جلية.
ثم يبين بعد ذلك السياق القرآني الكريم أن اليهود و النصارى (( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ))[البقرة:135]؛ فيؤكد (( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))[البقرة:135], (ملة إبراهيم حنيفاً) هي التي يقول الله فيها: (( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ))[النحل:123], يعني: النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ما هو إلا متبع, وفي الآية الأخرى: (( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ))[الحج:78].
بين تبارك وتعالى أن أبانا إبراهيم هو أب لنا في مسألة الدين ومسألة الاعتقاد -لا أبوة النسب- أبوة عظيمة، أبوة روحانية جليلة؛ فنحن جميعاً أمة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن نسمى ويمكن أن يقال: إننا على ملة إبراهيم ولا حرج، ويمكن أن يقال: إننا حنفاء ولا حرج، ومسلمون بهذا المفهوم أيضاً كل ذلك أشبه بالمترادفات اللغوية؛ ولذلك نحن نجد تفاسير السلف لهذه الآية أو لمفهوم كلمة (الحنيفية).
التفسير والتاريخ الذي حدث بعد ذلك يؤكد هذه المعاني.
أما تفسير الحنيفية فقد فسرها مجاهد و الربيع بن أنس كما نقل ابن كثير رحمه الله بأن (حنيفاً) أي: متبعاً. قال أبو قلابة : الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم.
كان هذا المفهوم الراقي العظيم، الإيمان بالرسل جميعاً من أولهم إلى آخرهم!
ثم يأتي أيضاً قتادة فيقول: الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله, ويدخل فيها -هذه نقطة مهمة ونحن هنا نذكرها لأهميتها- تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات -يعني: خروجاً عن الشرائع المحرفة في هذا الشأن- وما حرم الله تبارك وتعالى -دخول تحريم الخمر والخنزير وعبادة الأصنام داخلة في الحنيفية- ثم يقول: والختان! الشعائر التي هي من سنن الفطرة!
ملة إبراهيم عليه السلام هي عقيدة هذه الأمة، عقيدة في الله تبارك وتعالى, وفي الأحكام جملة وهي تحريم الخبائث وإحلال الطيبات، وفي الشعائر التي هي من سنن الفطرة، ومن أعظم وأهم ذلك الختان! ذلك الذي كان معروفاً متداولاً بين العرب، وظل عليه بنو إسرائيل حتى نسخه بولس بدعواه وزعمه الكاذب.
فسنن الفطرة وخلال الفطرة -فضلاً عن العقائد التي أكبر من ذلك- تنسب إلى إبراهيم عليه السلام, ونحن من أتباع ملة إبراهيم عليه السلام؛ ولذلك أمرنا الله تبارك تعالى بعد هذه الآية مباشرة بأمر نحن نتعبد به ونقرؤه في صلاتنا تذكيراً به يومياً وشبه يومي: (( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ))[البقرة:136], ونبطل بطلاناً شديداً كل من يدعي أن نبياً من الأنبياء كان على غير الإسلام, وأنه كان يهودياً أو نصرانياً.
اليهودية و النصرانية هي انحراف وقع في أتباع الأنبياء؛ ولذلك عندما يأتي الكلام عن العدل والتفريق بين المخطئ والمذنب منهم لا يأتي الكلام بصفة اليهود أو النصارى في القرآن، اليهود أو النصارى وصف في الأصل للذم للأمة المنحرفة، أما الأصل فهم يسمون أهل الكتاب كما في قوله تعالى: (( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ ))[آل عمران:113], يعني: أهل الكتاب ليسوا سواء منهم ومنهم، أو قوله تبارك وتعالى: (( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ))[الأعراف:159]؛ فليسوا سواء؛ لذلك قال: (من قوم موسى) يشمل الذين اتبعوه بحق والذين يدّعون غير ذلك، وكذلك عيسى عليه السلام.
فأفضل الخلق عندنا نحن المسلمين في عقيدتنا الإيمانية الواضحة الجلية هم الأنبياء، وأفضلهم أولو العزم من الرسل، وأفضل من بعدهم هم أتباع الأنبياء.
فأفضل الناس هم من صحب موسى عليه السلام مؤمناً به، ثم صحب عيسى عليه السلام مؤمناً به وبموسى، ثم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كانوا طبعاً مؤمنين بموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكل أنبياء الله (( لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ))[البقرة:285], ثم التابعون من هؤلاء وهؤلاء.
أما من انحرف ومن ضل ومن ابتدع؛ فنحن نبرأ إلى الله تبارك وتعالى من انحرافه وضلاله وشركه وبدعته، سواء كان من قوم موسى أو من قوم عيسى أو ممن يدعي أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالمسألة عندنا لا عنصرية فيها, ولا قومية فيها بأي شكل من الأشكال، وإنما هو دين جلي واضح مثل الشمس، جعله الله تبارك وتعالى دين الأنبياء جميعاً وقال: (( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ))[آل عمران:19], وقال: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))[آل عمران:85], نؤمن بهم جميعاً ومن انحرف من هؤلاء الأقوام جميعاً فحسابه على الله, وبحسب انحرافه يُعامل، وفي ذلك إيضاح وتجلية لكثير من القضايا التي وقع فيها من أخطأ وضل.
أضف تعليقا
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع